سيد قطب
3865
في ظلال القرآن
السماء والأرض في المشهد الهائل الجليل : « يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ . فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً ، وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً ، وَيَصْلى سَعِيراً . إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً . إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ . بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً » . . والمقطع الثالث عرض لمشاهد كونية حاضرة ، مما يقع تحت حس « الْإِنْسانُ » لها إيحاؤها ولها دلالتها على التدبير والتقدير ، مع التلويح بالقسم بها على أن الناس متقلبون في أحوال مقدرة مدبرة ، لا مفر لهم من ركوبها ومعاناتها : « فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ، وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ ، وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ ؛ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ » . . ثم يجيء المقطع الأخير في السورة تعجيبا من حال الناس الذين لا يؤمنون ؛ وهذه هي حقيقة أمرهم ، كما عرضت في المقطعين السابقين . وتلك هي نهايتهم ونهاية عالمهم كما جاء في مطلع السورة : « فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ؟ وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ ؟ » . . ثم بيان لعلم اللّه بما يضمون عليه جوانحهم وتهديد لهم بمصيرهم المحتوم : « بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ . فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ » . . إنها سورة هادئة الإيقاع ، جليلة الإيحاء ، يغلب عليها هذا الطابع حتى في مشاهد الانقلاب الكونية التي عرضتها سورة التكوير في جو عاصف . سورة فيها لهجة التبصير المشفق الرحيم ، خطوة خطوة . في راحة ويسر ، وفي إيحاء هادئ عميق . والخطاب فيها : « يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ » فيه تذكير واستجاشة للضمير . وهي بترتيب مقاطعها على هذا النحو تطوف بالقلب البشري في مجالات كونية وإنسانية شتى ، متعاقبة تعاقبا مقصودا . . فمن مشهد الاستسلام الكوني . إلى لمسة لقلب « الْإِنْسانُ » . إلى مشهد الحساب والجزاء . إلى مشهد الكون الحاضر وظواهره الموحية . إلى لمسة للقلب البشرى أخرى . إلى التعجيب من حال الذين لا يؤمنون بعد ذلك كله . إلى التهديد بالعذاب الأليم واستثناء المؤمنين بأجر غير ممنون . . كل هذه الجولات والمشاهد والإيحاءات واللمسات في سورة قصيرة لا تتجاوز عدة أسطر . . وهو ما لا يعهد إلا في هذا الكتاب العجيب ! فإن هذه الأغراض يتعذر الوفاء بها في الحيز الكبير ولا تؤدى بهذه القوة وبهذا التأثير . . ولكنه القرآن ميسر للذكر ؛ يخاطب القلوب مباشرة من منافذها القريبة . صبغة العليم الخبير ! « إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ . وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ، وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ » . . وانشقاق السماء سبق الحديث عنه في سور سابقة . أما الجديد هنا فهو استسلام السماء لربها ؛ ووقوع الحق عليها ، وخضوعها لوقع هذا الحق وطاعتها : « وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ » . . فإذن السماء لربها : استسلامها وطاعتها لأمره في الانشقاق ، « وَحُقَّتْ » . . أي وقع عليها الحق . واعترفت بأنها محقوقة لربها . وهو مظهر من مظاهر الخضوع ، لأن هذا حق عليها مسلم به منها . والجديد هنا كذلك هو مد الأرض : « وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ » . . وقد يعني هذا مط رقعتها وشكلها ، مما ينشأ عن انقلاب النواميس التي كانت تحكمها ، وتحفظها في هذا الشكل الذي انتهت إليه - والمقول إنه كري